عن الحب.. أتحدّث!
عن الحب.. أتحدّث!
لم تكن الأولى التي تطرق بابي منهارة.. ولكنها الوحيدة التي طالبتني بنشر قصتها لتعتبر الفتيات منها ولا يغرّنهنّ ما غرّها! ساءني جداً وضعها النفسي الذي ينبؤ بانهيار وشيك.. في كل مرة كانت تأتيني إحداهنّ تبكي "حبّها" تحاول اختلاق الأعذار لنفسها وتبرِّر وقوعها في جبٍّ سحيق ستدفع ثمنها من نبض القلب.. أما هذه الفتاة فتدركُ تماماً أنها السبب الأساس في وضعها المتردّي.. فذنبها أنّها صدقت في الأولى.. ثم في الثانية.. لتقتلع قلبها من بعد ذلك وترميه على حسب قولها في البحر تنهشه الأسماك.. فهم أشرف من الساقطين الذين يقتاتون على موائد الضعيفات!
ابتدأت قصتها ذات محنة.. حين تعرّفت على رجل كانت تعتبره ملتزماً راقياً لتكتشف بعدها أنه يتلاعب بمشاعرها وأنه يحب النساء.. فسخت الخطبة وتركته وهي محطّمة..
وكان أن طرق بابها بعد فترةٍ شابٌ أصرّ على الكلام معها.. وأصرّت هي على صدّه بكل قواها.. فلا يزال شبح الكذب والافتراء يلاحقها كلما نظرت في وجه شاب! ولمّا تنسى بعد تجربتها المريرة تلك!
بدا هذا الشاب مُصِرّاً إلى درجة كبيرة.. رفض الابتعاد وطلب الارتباط بها فرفضت إلا أنه ظلّ يلاحقها حتى لان موقفها.. تقبّلت الفكرة بعد جهدٍ منه ومنها.. فمثله لا يُرَد!
حاول هو أن يُظهِر لها صدقه وأنه جادّ وأنها تعني له الكثير.. وهي حاولت التفكير بعقلانية.. فإلى متى ستظلّ ترفض مَن يتقدّم لها بحجّة أن الجميع خائنين؟! والخير لا زال في البشر وهذا الشاب تبدو عليه مقوِّمات الالتزام والصدق فإلى متى الرفض؟!
جمعت كل قوتها وتنفسّت الصعداء وقبلت أن تستقبله.. فحدث ما لم يكن في حسبانها أبداً.. أبَعْد كل هذا الإصرار والإلحاح من طرفه لأسابيع حتى ترضى به يرفضها أهله لأسباب مُعتَبَرة "بنظرهم"!
أصابها ضعفه ذاك وعدم الإصرار على تمسكه بها أمام أهله في مقتل! كانت صدمة لها خاصة أنها بدأت ترتبط عاطفياً بهذا الشاب.. وكان هو يُسِرُّ لها بعبارات الإعجاب والحب ويلاحقها كظلِّها.. وحين رفض أهله بكى لها وصعب عليه مفارقتها بالرغم من محاولتها قطع العلاقة.. وكانت كلما قطعتها يُعيد الوصل بكل الطرق المتاحة.. وكان يفتّش عنها حتى حين تبعد دون أن تخبره أين هي.. وبقيا على هذا الحال سنوات بين مدٍّ وجزر.. وفتور وشوق.. وقطعٍ ووصل..
تتذكّر محاولاته التواصل الدائم معها فتقول: كنت كلما يهاتفني أشعر أنه بحاجة إلى زوجة تملأ عليه حياته فكنت أطلب منه الارتباط ليرتاح! وكنت أدعو دائماً أن ينساني وأنساه.. وأن ييسِّر أموره ويهدي قلبه ويرزقه فتاة يأنس بها وتأنس به..
ولكنني لم أكن أعلم أن الأمر صعب إلى هذه الدرجة!
وبعد كل هذه الفترة وهذا الحب أرسل إليّ وأخبرني أنه وجد فتاته وأنه تزوج.. شعرتُ لوهلةٍ أنني طُعِنت في الصميم.. لم تكن الغيرة التي أدمَتني ولا رغبتي بالزواج منه وإنما كان لشعوري الداخليّ أنني مُهانة! أنني كنتُ مجرد أداة تسلية يلهو بها حتى وجد رفيقة عمره التي ترضيه وتُرضي أهله.. شعرتُ بحقارة نفسي أنني رضيتُ بعلاقةٍ لا تكلّفه شيئاً ليرميني عند أول مفترق للطرق.. كرهتُ نفسي لأنني صدّقته ولم أعتَبِر من درسٍ واحد..
أخبرني بكل وقاحة أنه تزوج ثم بادرني بسؤال أرداني: "ماذا كنتِ تتوقّعين مني؟ أن لا أرتبط مدى حياتي؟ أنتِ تعلمين أن هذا الأمر قد يحدث في أي وقت بل أنتِ من طالبتني به مراراً فما الذي تغيّر؟"
تقول: لم أكن أتخيّل أن يكون قاسياً إلى هذه الدرجة.. وكأنني مخلوقة من حجر.. لا يحق لي أن أصرخ من ألمي.. من سذاجتي.. من حقارتي.. من غبائي! استكثر عليّ أن أبكي مشاعر صادقة حملتها له سنوات.. كدتُ أجنّ! أليس هو من لاحقني مرّات ومرات لأكلمه؟ ثم أصرّ بعدها على العلاقة؟! الآن انتهى كل شيء وبدأ حياته من جديد ليسعد ويعيش حباً ويؤسِّس بيتاً ويرعى أسرة وكأني لم أكن! ماذا عن قلبي أنا وسعادتي أنا؟! لِمَ عليّ أن أكون أنا كبش الفداء وأبقى وحيدة هائمة بينما يتزوج هو ينعم؟!
هذا كل ما خرجت منه من هذه العلاقة.. قلبٌ مكسور ونفس مهشّمة وتحوّلي لذكرى!
لا أشك أنني ارتكبتُ جرماً حين قبلت بمحادثته وحين ضعفت أمام إلحاحه وها أنذا أدفع الثمن غالياً.. فلأدفعه هنا خير لي من أن أُحاسَب عليه يوم القيامة.. سأستغفر ربي كثيراً!
وتكمل قصتها: ما أضحكني فعلاً هو قوله أن الأمر لم يكن سهلاً عليه.. وأنه لم يكن لديه الخيار.. فقد تزوج من أجل أهله! وطلب مني أن أدع الجروح صامتة.. وطيَّب خاطري بقوله أنه يحمل ذكرى جميلة لي! وطمأنني أنني سوف أنساه وأن المسألة مسألة وقتٍ فقط!..
وفي نفس الوقت الذي كان يقول لي هذا الكلام كان يبوح بحبه لزوجته.. وكان يكتب لها ترانيم الحب والشوق والأمل! ويتكلم الناس عن حبهما!
أخبرني أنه كان صادقاً وأن تجربته معي هي تجربة حقيقية وأنه ليس مخادِعاً كذاك الذي ضحك مني واستهزأ بقلبي قبله..
ألم تكن نتيجة العلاقتين واحدة من تمزيق للحشا؟! فما الذي اختلف بين الأول والثاني؟ الأول كاذبٌ والثاني صادق.. وأنا النطيحة المتردّية في كلا الحالتين! حين تمتمتُ هذه الكلمات.. بكى!
من قال أن النساء فقط مَن يُتْقِنّ ذرف دموع التماسيح؟!
وانفرط عقد دموعها.. كنتُ أسمع لها وهي تتكلم عن معاناتها بحرقة.. ورأيتني أمام تجارب مكررة كل يوم وفي كل مكان.. فالفتاة ما إن يكلّمها شاب ويبوح لها بحبه حتى تضعف وتستكين.. وما إن يتقرّب منها شبراً حتى تتقرّب منه باعاً.. وتبقى تنتظر من يبوح لها بمكنون نفسه لأنها تريد مَن يُسمِعها كلمات حب وعشق واهتمام فتصدّقه صادقاً كان أم كاذباً..
الحب ليس حراماً وليس خطيئة.. بل هو فطرة زرعها الرحمن جل وعلا في قلب الرجل تجاه المرأة وفي قلب المرأة تجاه الرجل ليستمر النسل وليجد كلّ منهما السكن النفسي.. فالمهم أن تكون العلاقة شرعية وضمن الأُطر الإسلامية ليعيش الطرفان معاني الحب الطاهر.. وعلى المرء أن يعرف كيف يختار ومَن يشارك هذه المشاعر فليس كلّ أحد يصلح أو يستحق هذه المشاعر الغضّة الطرية الصادقة..
ولتعي الفتاة جيداً أنها إن لم تحافظ على قلبها فلن يرأف به الشاب.. فهذه مسؤوليتها أن تغلِّف قلبها بصدَفَةٍ كدرّة مكنونة ولا تسلّمها إلا لمن يستحق وبالحلال!.. فالشاب العابث يستسهل الحصول على ما يريد إن كان بمتناول يديه.. ولو كان صادقاً فعلاً فلم يكن ليسمح لنفسه بإقامة علاقة غير شرعية والاستمرار فيها ليقطعها حين يجد بديلاً!
سألتني ابنتي يوماً وكانت لا تزال في بداية المراهقة عن الحب.. أخبرتني أن رفيقاتها يتبادلن رسائل الحب مع الشباب.. لم أتفاجأ حقيقة أن يكون ذاك في عصر الإنفتاح الإعلامي والعولمة والغزو الفكري والفيديو كليب! فيكفي أن تحضر الفتاة أو الشاب فيلماً واحداً أو مسلسلاً تركياً أو فيديو كليب حتى يبدآ بالتفتيش عن الشريك الذي يفكران فيه بعدها.. ويعتقدان أنهما وجدا الحب الذي تشتعل ناره في القلب ويجعلهما يرفرفان كنسر في فضاءات الغرام!
قلت لابنتي يومها محاوِلة إيصال لها فكرة محددة بعد أن أخبرتها أن الحب هو أرقى المشاعر الإنسانية على الإطلاق.. إن عرفنا أين نصرفه.. وقلت لها إن كان لديك قميصاً وارتديتيه كثيراً وغسلتيه في كل مرة فماذا سيحصل له بعد حين؟ قالت يصبح قديماً وقد يتمزق من كثرة الاستعمال! قلتُ لها وكذلك القلب.. إن تعرّض لأشعة الحب المتكرر فإنّه يقسو وينكسر وربما ماتت المشاعر فيه تماماً! ومَن ذا الذي يرغب بقلبٍ "منهكٌ من الاستعمال"؟
أم مريم